التواني

التواني

* أصل تسميتها :

يرجع سبب اشتهار هذه القرية بهذا الاسم إلى فاكهة التين التي تنتشر أشجارها بكثير في أراضيها وتعدّ المحصول الرئيسي إلى جانب العنب لدى سكانها . ,وتأتي التواني في طليعة بلدان القلمون في انتاج هذه الثمار الصيفية اللذيذة .

وهي تسمية عربية أصلها التوّان  وتعني بائع التين ومجففه .

* المواقع والحدود :

   تقع هذه القرية في وسط الهضبة القلمونية الثانية في موقع سهلي ذي تربة كلسية يرتفع عن سطح البحر 1230م وينحصر بين جبل الصوان 1388م ورأس حنون 1236م شرقاً وجبل الشعاب والشميس 1765م وجبل البني أويس 1852م من السلسلة العليا لجبال القلمون غرباً وتتفتح من الجنوب على سهل صيدنايا ومن الشمال على هضبة  جبعدين وتحيط بها مجموعة من التلال والمرتفعات كعقبة رأس الأبيض وظهر الدوار وعرمة زوين وعرمة خابور وظهر كريسة وجبل رجال الله .

ويخترق الطريق السياحي الصاعد من دمشق إلى صيدنايا ومعلولا ويتقاطع وسط البلدة مع الطريق المنحدر نحو قرية حلا وأستراد دمشق حمص ثم القطيفة .

ويجاورها من القرى جبعدين شمالاً وبينهما 4كم وعين التينة من الشمال الشرقي وبينهما 5كم ومن الجنوب الشرقي القطيفة وبينهما 6كم ومن الجنوب الغربي عكوبر وبينهما 5كم ومن الغرب رنكوس وبينهما 8كم ومن الشمال الغربي حوش عرب وبينهما 10كم وتفصلها عن التواني آكام السلسلة العليا .

تتبع التواني ناحية معلولا نظرياً ولم يتم تنفيذ ذلك فعلياً لاستحالة هذا التنفيذ على أرض الواقع لما فيه من عرقلة وتعقيد في تصريف مصالح وشؤون هذه القرية وبقيت تابعة لمركز المنطقة في القطيفة .

* لمحة عن تاريخ ونشاط سكانها :

التواني بلدة قديمة يرجع تاريخ نشأتها إلى العصر البيزنطي على الأقل وكان وسطها في مكان يدعى دير قديم دثر منذ حوالي أربع مئة عام بعد أن غادر القرية آخر سكانها المسيحيين منذ ذلك التاريخ .

وقامت أول مساكنها حول ذالك الدير وأخذت بالتوسع مع نوافد سكان القرى المجاورة للسكن فيها بعد خراب قراهم الواحدة تلو الأخرى ( قرى كريسة والموهبية وحنون والسودة والطباخ ) وكان آخرها قرية الموهبية التي مضى على خرابها مئة وخمسين سنة وكان قد مر بها وحل ضيفاً على أهلها واحدة بتاريخ الجمعة الواقعة في 2/1/1105هـ الموافق 2/10/1693م الشيخ عبد الغني النابلسي أثناء رحلتها في بلاد الشام ومصر والحجاز فنظم شعراً من البحر الوافر :

نزلنا قرية غراً بهّية                                      بأقــوام لــــهم هـممّ عليـــّه

وفيها قد تفاءلنا فقلنا                                      مواهب ربنا في الــمواهبية

واستوقفه موقع تلك القرية الجميلة الذي استراح فيه بعد طول عناء وانبسطت  فيه نفسه فنظم شعراً من الخفيف يقول فيه :

قد نزلنا بالموهبية أرض                             وكل هم بها عن القــلب ذاهــب

ثم بتنا بها وكنـــا أتينــــا                             نحوها من معترّة أرض راهـب

فكأنا بها عن الركـب منا                             قـد أزلـــنا معـــرة بالـــموهــب

وكانت الموهبية في ذاك الوقت موقوفة على الجامع الأموي بدمشق فنوه الشيخ الشاعر إلى ذلك شعراً من البحر الوافر فقال :

أتينا الموهبية أرض وقفً                          لجامعنا الذي لبني أمية

فأذكرنا النزول بها دياراً                           لنا بجواره وقت العيشة

وجاد الله مولانا علينا                              بنوع من مواهبه السنية

وكما مرّ بأطلال الموهبية المستشرق الرحالة الفرنسي كليمان هوار سنة 1295هـ ـ 1878م وقال من أطلال قرية اسمها ( موهبية ) قيل أن الجنود الأتراك قوضوها قبل أربعين سنة لأن أهلها عصوا وأبوا أن يؤدوا الضرائب الأميرية .

وموقع هذه القرية الخراب يبعد عن التواني 3كم على يمين الطريق إلى عكوبر .

وكان الشيخ عبد الغني نابلسي بعد أن بات ليلته في الموهبية تابع رحلته صباح 3/10/1693م ومرّ بقرية التواني فنظم بها شعر من البحر الوافر وقال :

مررت بقرية تدعى التواني

وكان جوادنا طلق العناني

وقد خرجت تلاقينا شيوخ

فقلت لصاحبي كم ذا التواني

ويضيف الكاتب الشيخ أبياتاً من مخلع البسيط قائلاً:

جئنا التواني بلا تواني

ولات واه ولات واني

وأهلها حاولا نزولاً

لنا بأهنى ذاك المكان

فلم نرد أن يزول عنا

نشاطنا ذاك بالتواني

وتابع سيره مع صحبه باتجاه قرية معلولا وكان هذا الرحالة كلما وصل إلى قرية في رحلته نظم بها شعراً.

ويذكر في الكتاب الذي ألفه عن هذه الرحلة أن القبتان الموجودتان على قمة جبل رجال الله قرب التواني يقال أنهما قبري ولدي عبد الله بن الزبير وأن أهل تلك القرية يسمونهم رجال الله وسعاة رسول الله (ص) ويذبحون الذبائح وينذرون لهم ” النذر” بقراءة قصة المولد النبوي الشريف في حضرتهم.

وتذكر المصادر التاريخية أن إبراهيم باشا قائد جيش محمد علي حاكم مصر إلى سوريا بعد أن استولى على بلاد الشام وطرد جيش السلطان منها مر ذات يوم بقرية التواني وبات ليلة فيها وهو في طريقه إلى يبرود سنة 1834م.

ويبدو أن هذه القرية قد تعرضت (بعضها أو كلها) للدمار أكثر من مرة بدليل عثور سكانها على بعض المخلفات من أخشاب ورماد وأساسات وغيرها أثناء الحفريات لتجديد أو تعديل منازلهم في القرية القديمة وهذا ما تشاهده في كثير من قرى القلمون, والأسباب كثيرة ومتنوعة منها ما يرجع لعوامل طبيعية كالزلزال والسيول والصواعق وأخرى اجتماعية كاضطراب الأمن وصراع الحضارات وغيرها.

التواني كانت من بين القرى  التي استهدفتها غزوات الأعراب من عشائر الغياث القادمين من الشرق وغزوات المتاولة الهابطين من الغرب . ويذكر شيوخها المسنون أن بعض الأكراد كانوا في كل عام يكسحون بمواشيهم  أراضيها الغربية المزروعة بالتين والعنب من شمالها إلى جنوبها قادمين من نواحي حمص إلى أن تصدى لهم أهل القرية إحدى السنين يتقدمهم المختار مصطفى درويش وكان ذائع الصيت بكرمه ورجلٌ آخر من القرية يدعى صالح أسعد المعروف بقوته وصلابته عوده وجرأته وأمسكوا بأولئك الأكراد وأقتادوهم مع طروشهم إلى دار المختار وسط القرية ثم عفوا عنهم وأكرموهم بعد أن لا تطأ أقدامهم هذه الأرض مرة ثانية .

وكان على مدخل القرية أبواب توصد مساء عمد عودة الفلاحين من أراضيهم والمواشي من مراعيهم وتنظم الحراسة ليلاً داخل القرية بالتناوب بين رجالها ترقباً لأي غزو خارجي أو وحش أو أي طارئ أخر يهدد أمنها وهذه  الأبواب ونظام الحراسة بقي قائماً حتى الربع الأول من هذا القرن .

ومن آثار هذه القرية قنوات المياه التي مازال الماء العذب يقطر من إحداها في مواقع العين وسط البلدة والنواويس والمغر والحفر ذات الفتحات المستديرة من الأعلى المجوفة من الداخل بحجم غرفة كبيرة أو أكثر مطلية بمادة قديمة تدعى (كلس ومونة ) كانوا يستخدموها لتخزين  مياه الأمطار شتاءً وصهاريج الماء التي نقر بعضها في الصخر على جوانب الطرقات والدروب في أنحاء البرية ويدعى الواحد منها “مصنع” يستفيد منها العابرون والداهسون لتك الدروب وهذه ظاهرة نشاهدها في كل براري القلمون .

والملفت للنظر في هذه القرية كثرة المقابر المنتشرة في جهاتها الجنوبية والشرقية وفي موقع حقل السل شرقي البلدة توجد قبور قديمة يختلف اتجاهها عن غيرها كما عثر صدفة على عدد من القبور الطبقية (فيها أكثر من لحد).

وفي خربة الطبّاخ شرقي التواني عثر على قطعة موزاييك تشكل على ما يبدو أرضية دير قديم تتألف من مجموعة من الحصى الحجرية المكعبة طول ضلع الحصوة الواحدة حوالي 1سم رصفت إلى جانب بعضها البعض وشكلت لوحة رائعة قيل أنها للسيدة مريم العذراء . لكن يد العابثين حطمت تلك اللوحة وتحول المكان بما فيه إلى أرض زراعية منذ زمن .

وفي موجة الهجرة إلى العالم الجديد غادر القرية كثير من أبنائها رجع بعضهم كعلي عبد الله عباس وإبراهيم عباس ومحمد غانم حجازي ومحمد التيناوي ومحمد ذياب إبراهيم ومحمد خليل ريمه قاسم ومحمد حسن جوريا علي .

وأغلبهم لم يرجع مثل بدران أحمد خلف وبدران حمد وعبد الرحيم أسعد الهمس وحسن محمد ذياب وقاسم خليل ريمه قاسم وعباس حمزة ومحمد قاسم الفقير وعليان عليان وحسن رحيم عمر .

وفي العهد العثماني المظلم سيق الكثير من رجالها وشبابها إلى آتون الحروب على الجبهات  التركية المتباعد ويروي شيوخ القرية أن أيام سفر برلك قرع الطبل في القرية إعلاناً للنفير العام وإقتاد الجنود الأتراك حوالي ثلاثين شاباً لم يرجع منهم سوى أربعة فقط هم حسين أحمد قاسم ومحمد حسين آمنة إسماعيل ومحمد صفية نصر الله وحسن عبد الغني مقصود وهذا الأخير غاب سبع سنوات وعندما رجع لم يتعرف عليه أهله بقي مخبأ عشرين يوماً . وأولاد قاسم كانوا ثلاثة ذهب اثنان منهم ولم يرجعا فأنشد شقيقهم الثالث متحسراً يقول :

شباب مثل النخل وردت عالحكيم

و الصاغ سافروا والشروك راجعين

يا حسرتي ماتوا شباب مغتربين

 وقدمت التواني من الشهداء في هذا العهد كل من حسين محمد راغب وعمر حجازي وقاسم مقصور وجمعة بدره وأخيه وأحمد علي وردة أبو زيد وعلي أسعد راغب, قتلوا على يد الجنود الأتراك.

أما في زمن الاحتلال الفرنسي البغيض فقد انخرط شباب هذه القرية وشيابها في ثورة القلمون عام1925 وشاركوا في كل المعارك التي دارت رحاها فوق أرض القلمون, وعلى أثر معركة النبك عام1926 داهمت الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال مارتي القرية والتجأ سكانها إلى البراري المحيطة وبقي الفرنسيون عدة أيام في القرية ثم غادروها فعاد السكان إلى قريتهم وكانت المفاجأة وهول المصيبة مما تغشى أمامه الأبصار, لقد أحرق الفرنسيون القرية وأشعلوا النار في جميع أرجائها ولم يسلم إلا القليل من بيوتها حتى أن مساجدها لم ينج من العقاب والحقد وطالته أيدي المستعمر الآثمة وأشعلت فيه النيران واقتحمت البيوت ونهب الفرنسيون ما فيها من أرزاق فعلت أصوات النساء بالبكاء والولاويل وتعاون الجميع في إخماد نار الحرائق وأعادوا بناء ما هدم منها وجددوا بناء مسجدهم وتوسعوا به. أصيب في هذه الحملة اثنان من رجال القرية محمد أسعد شريفة ورجل آخر. وفي حادثة منفصلة علم ثوار القرية بقدوم سيارتين فرنسيتين من صيدنايا متجهة إلى معلولا فنصب ثلاثة منهم كميناً لها في موقع النصوب على الطريق وهم محمد إسماعيل الحاج محمد وأحمد صالح حجازي وحمود فارس واستولوا عليها وكانت محملة بالسلاح والذخيرة وعلى أثرها قامت طائرة فرنسية بقصف القرية بالقنابل لكن أحداً لم يصب بأذى واستشهد من أبناء التواني على يد الفرنسيين المدعو حمود حسين حمود الحايك.

وفي صراعنا مع العدو الصهيوني قدمت التواني الشهداء أحمد حسين قاسم في معركة كعوش على أرض فلسطين عام1948 ومحمد حسين جبارة الذي سميت ثانوية القرية باسمه وعلي رضا عليان وسميت مدرسة ابتدائية باسمه وسعيد غانم حجازي في حرب تشرين التحريرية عام1973 الذي سيطلق اسمه على مدرسة ابتدائية قيد الإنشاء.

أما نشاط سكانها الذي بلغ عددهم حسب قيود السجل المدني حتى 31/7/1997 (4814) نسمة فيعملون بالزراعة وتنتج أرضها التين والعنب واللوز والرمان والتوت والحبوب بعلاً وكان فيها السماق لكن زراعته انتهت تماماً في كثير من مناطق القلمون. وفي بساتينها توجد الخضر وأشجار الحور والصفصاف والبربار والمشمش والخوخ وتروى من ماء البركة التي تصب فيها العين.

وفي الماضي قامت معاصر العنب ثم تطورت إلى معاصر للدبس ويعتبر الدبس المصنوع من عنب هذه القرية من أجود الأنواع نظراً لجودة عنبها وارتفاع نسبة السكر فيه وكان يصدر مع منتوجاتها إلى القرى المجاورة ويبادلوه مع التين المجفف بالبطاطا والذرة الصفراء ومشتقات الحليب وغيرها في يبرود وجيرود والمعظمية وحوش عرب ورأس المعرة والنبك ورنكوس وغيرها.

وكانوا يصنعون أواني وأطباق القش من نبات يسمى (السل) ينبت في الجهة الشرقية من القرية في موقع مازال يكنى به يدعى حقل السل حيث كانت تتجمع المياه في حوضة صغيرة أيام سنين الخير من فيض الينابيع التي تجري فوق السطح.

وكانوا في سنين الجفاف يذهبون إلى أرض حوران ومرج راهط والصبورة يحصدون بأجر لتأمين لقمة العيش وفي الوقت الحاضر انتشرت المزارع الحديثة وفيها الزيتون والتفاح والكرز والأجاص واللوز والدراق تروى من مياه الآبار بواسطة المضخات وهنكارات المداجن ويربون الأبقار والأغنام ويعمل بعضهم في وظائف الدولة والمهن الحرة والتجارة. وفيها هجرة داخلية إلى دمشق شتاءً ويصطافون في ربوعها وتملئ مساكنها في فصل الصيف مع بداية العطلة الصيفية

About these ads

About saddeq

اعشق الاسلام و اموت فداء للعروبة و ساعمل لاجل الوطن
This entry was posted in قرى قلمونية and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s